وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية دفاع مشترك أطلق عليها "اتفاقية مكة للدفاع المشترك". وتهدف الاتفاقية إلى تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء، وتنص على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع، كما تُعنى الاتفاقية بتطوير كافة أوجه التعاون الدفاعي بينها.
الاتفاقية تأتي بعد أيام (30 يوليو 2026) من إعلان الرياض تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، لحماية حرية الملاحة وخطوط التجارة الدولية، وتأمين طرق إمدادات الطاقة العالمية في مضيق باب المندب، والبحر الأحمر، وخليج عدن.
نفهم أن السعودية تشتري الأمن لتأمين وحماية نفسها، لإدراكها أن واشنطن لن تسعفها، خاصة بعد تورطها في الهجوم المشترك مع أمريكا على 8 محافظات عراقية مستهدفةً مقرات الحشد الشعبي الذي هو جزء من المنظومة الأمنية والعسكرية العراقية، دون مراعاة لحرمة تجمع ملايين المسلمين حول العالم في ذكرى أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام)، وهي تترقب الرد على عدوانها.
وتتلقى ضربات يمكن وصفها ـ في الوقت الحالي ـ بالخفيفة من الحكومة اليمنية في صنعاء، بعد أن مزقت اليمن إلى شعبين وحكومتين، إحداها مقرها الرياض. الرد اليمني جاء نتيجة حصار فرضته الرياض بدعم من دول الخليج باستثناء سلطنة عُمان ودعم لوجستي وعسكري بريطاني أمريكي، منذ أن قامت بتشكيل "تحالف دعم الشرعية في اليمن" وأطلقت عملية "عاصفة الحزم" ضد الشعب اليمني منذ 26 مارس 2015، تقوم الآن بتشكيل تحالف جديد تحت عنوان تحالف بحري. مع الأخذ في الاعتبار خشيتها من الهجوم الإيراني لدورها في دعم التصعيد العسكري ضد إيران.
السعودية محاصرة من ثلاث جبهات الحشد الشعبي والمقاومة العراقية من الشمال، والجيش اليمني بقيادة حكومة صنعاء من الجنوب، وإيران من الشرق، مع وجود خناجر خليجية في جنوبها ممثلة في الإمارات وربما قطر أيضاً. في ظل هذا الحصار تبحث الرياض عن شركة أمن وحراسة، فكان اتفاق مكة وتحالف الدفاع البحري.
ولا يفوتنا في ذلك السياق سعي السعودية لقيادة العالم العربي والشرق الأوسط، ولكنها تفتقر للإمكانيات التي تعينها على ذلك، نعم تمتلك المال نتيجة لتوافر النفط ومواسم العمرة والحج، ومساحة جغرافية واسعة جعلتها تطل على البحر الأحمر والخليج، وتمتلك أفخر وأحدث الأسلحة، لكنها لا تمتلك الجيش من حيث التعداد، ولا تمتلك الخبرة العسكرية، فما هي الحروب التي خاضتها من قبل (؟) لذلك هي تشتري القيادة بنفوذها المالي.
تعاونت مع باكستان التي لا تمتلك سوى جيشها والقنبلة النووية، لكن ما هو موقعها السياسي المؤثر بين دول المنطقة، وتحاول إسلام آباد استغلال وساطتها بين إيران وأمريكا وهي لم تكن سوى صندوق بريد، بدليل استعانة أمريكا بقطر وسلطنة عُمان لإيجاد حلول لفك تعثر المفاوضات.
وتركيا هي تاجر سياسة يبحث عن المكاسب المادية وتوسيع نفوذها بالمنطقة لإعادة الحلم العثماني، خاصة بعد سيطرتها على سوريا وتسعى لمد نفوذها في لبنان والعراق لاكتمال الحلقة، وخطب في الميادين والساحات والمساجد التركية لأردوغان تنديداً بما يحدث في قطاع غزة، وعلاقته الاقتصادية مع إسرائيل لم تتوقف. الصراع الأردوغاني الإسرائيلي سببه سوريا، الأردوغان يسعى لبسط نفوذه على كامل سوريا، ولكن إسرائيل حرمته واحتلت جنوب سوريا، وتعمل على احتلال الجنوب اللبناني لتقيم إسرائيل الكبرى. كما أن تركيا تريد القضاء على النفوذ الإيراني في المنطقة وتحل هي محله.
ولو أن السعودية دولة عربية إسلامية تبحث عن وحدة العرب لقبلت بالطرح المصري منذ العام 2015، بتشكيل قوة عسكرية عربية موحدة، لكنها عرقلت الفكرة لرغبتها في قيادة تلك القوة وهي لا تمتلك ما يملكه المصري والجزائري عسكرياً من خبرات وتعداد الجنود. فضلاً عن أن السعودية ترغب في دول تقودها بمالها ولا مانع لديها في بسط إحداها نفوذها مادامت لا تصطدم معها كما حدث في سوريا، حيث عملت السعودية والإمارات وقطر والأردن وتركيا بدعم أمريكي وإسرائيلي على سقوط النظام السوري بقيادة بشار الأسد وتسليم البلاد لجبهة النصرة الإرهابية. فيما مصر صاحبة مبدأ ورؤية تقوم على حفظ هيكل الدولة الوطنية، وعدم الاعتداء على الدول، وقد وضح ذلك خلال تحالف دعم الشرعية حيث رفضت مصر المشاركة في العدوان على اليمن سواء جواً أو براً، مفضلة الحلول السياسية للحفاظ على استقرار المؤسسات الوطنية، وركزت الرياض على إسقاط خيار الحوثيين في اليمن باستخدام القوة العسكرية، وفيما يخص سوريا كانت مصر مع محاربة الإرهاب، وتصويب النظام، لكن الرياض وأنقرة ومن خلفهما كانوا مع إسقاط النظام بسلاح الإرهاب.
إذن السعودية تشتري الأمن والحماية والقيادة من دول تبيع تلك السلعة. وكان الأجدر بالسعودية وباكستان وتركيا تكوين تحالف لمواجهة جرائم الاحتلال في قطاع غزة، والضفة الغربية، وجنوب لبنان، وسوريا.
** أمن إسرائيل.. وتدويل المنطقة
التحالف الذي أمامنا، وتصاغ تحركاته في البيت الأبيض، هو تحالف يهدف لتأمين إسرائيل بتجريد المقاومة في العراق واليمن ولبنان وفلسطين من أوراق القوة، وتفريغ المنطقة من أي إمكانية للتصدي للمشروع الإسرائيلي، لتوفير حزام أمني مجاني للكيان الصهيوني وإعفائه من كلفة المواجهة المباشرة.
ساهمت الرياض وأنقرة وواشنطن في تولي السلطة العراقية واللبنانية شخصيات تُنفّذ أجندات حصرية السلاح، وحصار المقاومة تحت غطاء "فرض هيبة الدولة"، بينما المخطط الحقيقي هو إضعاف الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان لتعبيد الطريق أمام التغلغل الإسرائيلي. وانظر لما يحدث في سوريا.
والمخطط لا يقتصر على المواجهة العسكرية فقط، بل يمتد لإقامة "حزام أمني مجاني" يعفي واشنطن وتل أبيب من كلفة المواجهة المباشرة، عبر جدار اقتصادي بإدماج العراق وسوريا ولبنان في منظومة مشروعات اقتصادية وتجارية مموّلة خليجياً وتستفيد منها تركيا، وتُدمج إسرائيل في قلبها عبر "ممر التنمية"، وشبكات أنابيب النفط الممتدة من الخليج مروراً بالعراق وسوريا وصولاً إلى موانئ المتوسط وإسرائيل. يضاف إلى ذلك المخططات المطروحة لتمرير مشروعات استثمارية وصناعية في الجنوب اللبناني بعد محاولات تفريغه ديمغرافياً وأمنياً؛ من خلال "مدينة ترامب الصناعية السياحية"، والحديث عن نقل النفط الأسود العراقي للتصدير والتخزين عبر لبنان مروراً بسوريا. كلها أحجار في بناء "جدار اقتصادي استراتيجي" يُصنع لحماية إسرائيل وربط مصالح الإقليم ببقائها.
التحالفات التي تصنع واشنطن ملامحها في الخفاء وتكسوها الرداء الإقليمي، هي محاولة لتدويل المنطقة بعد فشلها في حشد دولي لمواجهة إيران، تلك التحالفات التي نتج عنها قواعد عسكرية أمريكية وبريطانية وفرنسية وتركية، ما هي إلا إعادة إحياء لاستعمار المنطقة بأسلوب جديد، لكنه احتلال مدفوع الثمن مقابل تأجير قدراته العسكرية لتوفير الحماية كما هو الحال في دول الخليج، أو مصدر للدخل كما هو حال الأردن.
** مصر الورقة المستعصية
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وجه تحذيراً مبطناً ومباشراً لإيران ومحور المقاومة بقوله: "الاتفاقية الدفاعية لا تستهدف إيران، ولا أحد يُعد هدفاً ما دام لا يهاجم الدول الأعضاء.. سلامة الملاحة في البحر الأحمر تمس مصالحنا، ولذلك يجب أن تكون تركيا جزءاً من التحالف الدولي بقيادة السعودية". وهو ما يعني أن أي استهداف للرياض أو منشآتها من قبل إيران أو فصائل المقاومة سيُعدّ اعتداءً مباشرًا على تركيا وباكستان، مما يفعل بنود "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" ويُعطي أنقرة وإسلام آباد الغطاء للتدخل العسكري المباشر في المواجهة.
ثم انتقل فيدان في تصريحاته التي نقلتها وكالة "الأناضول" التركية، محاولاً إحراج القاهرة وجرها لهذا المربع، بقوله: "مصر قد تنضم إلى الاتفاق الدفاعي بمجرد تسوية بعض المسائل الفنية، فهي بالفعل شريك طبيعي لنا في جميع القضايا. وأنا أؤمن بأنه في المرحلة القادمة ستكون مصر موجودة بيننا كتحالف.. نحن نتعامل مع بعضنا البعض حالياً وكأننا أعضاء في تحالف بالفعل".
وهنا تبدو المراهنة التركية-السعودية على إضفاء شرعية عسكرية عربية ذات ثقل على هذا التجمع. غير أن هذه المراهنة تتجاهل العقيدة الاستراتيجية الثابتة للقاهرة؛ فمصر تفرق جيداً بين التنسيق لحماية الملاحة في البحر الأحمر وبين الانخراط في "حلف دفاعي" موجه لحماية مخططات إقليمية توفر غطاءً لأمن إسرائيل، ولن تكون مجرد ذراع عسكرية لتنفيذ أجندات الغير، ولا تخالف أي إدارة مصرية عقيدة الدولة القائمة على حماية أمنها والأمن القومي العربي، ورفض التحالفات الأجنبية بالمنطقة، ولا تقبل بالاعتداء على سيادة الدول.
التحالف الرباعي والمشاريع المرتبطة به يحمل بذور فنائه في أحشائه؛ فهو يبتدئ من فرضية خيالية تفترض القضاء على المقاومة وإخضاع المنطقة لتمرير "الجدار الاقتصادي الأمني" لحماية إسرائيل، وينتهي باستخدام الثقل المصري في صراعات بالوكالة، وهي أوهام زائلة بثبات الموقف المصري ورفضه التحول إلى حارس لأمن إسرائيل، واستمرار الصمود الميداني لجبهات المقاومة بقيادة إيران، لذلك فإن هذا التحالف الهش القائم على صفقة المال والنفوذ سيتداعى قبل أن يحقق أهدافه لافتقاره للعقيدة القتالية الموحدة، وسينهار عند أول مواجهة حقيقية أو كلفة بشرية ومادية عالية، كما حدث في "عاصفة الحزم" انسحب الجميع وبقيت السعودية بمفردها تبحث عن شريك. فضلاً عن أن المشروعات الاقتصادية والممرات لا تستقر على أرض ملتهبة، والمقاومة لن تموت كما يتوهمون، وهو رهان خاسر لأن شعوب المنطقة وجبهات المقاومة لن تسمح بمرور أي جدار يؤمن إسرائيل، ويسلم المنطقة للاستعمار.
-------------------------------------
بقلم: محمد الضبع






